ابن عربي

كتاب الجلال والجمال 10

رسائل ابن العربي ( دار احياء التراث )

ولكن كما قلنا في الكائنات المستقبلة وهي لا تتناهى فان مقدورات اللّه لا تتناهى ومعلوماته كذلك أكثر من مقدوراته وغير ذلك والاحصاء بالعدد لا يتعلق به لأنه لا يجوز عليه فيحصى نفسه والمحال لا يوصف بالعدد فيتعلق به الاحصاء ولكن يحيط به العلم اى معنى لعلمه من جميع الوجوه فإذا كان الحق قد احصى كل شئ عددا فأنت من الأشياء المعدودة فحفظه ورقبته عليك فإذا شاهدته الاسرار من هذه الآية تاهت في جلال الحق وحارت في أنفاسها ولحظاتها ولمحاتها ونفحاتها وخطراتها وكل ما يكون فيها ومنها فإذا تحققت بهذه المشاهدة بسطها الحق بالآية التي اذكرها بعد هذا في جمال هذا الجلال فعند ما تريد الانس بذلك يتجلى لها في هذا الجلال في تلك الآية فيحيره ويتلفه فافهم الجمال . قال اللّه تعالى ( وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) فجاء باوالتى للشك وهذا محال على اللّه تعالى فلما نزل الحق في جماله في هذه الآية مباسطة معنا والشك منوط بها « 1 » فقام للعبد ضرب من المناسبة فإن كان العبد جاهلا حمل ربه على نفسه ووصفه بالشك فضل وان كان محققا هرب إلى قوله تعالى ( وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ) فوقف على سر ذلك وألحق الشك بالرؤية البشرية المعتادة على الخطاب المتعارف بين العرب بالكثرة فيعود الشك على المحلوق وان أراد احصاء العدد وأراد أن ينزه نفسه من غير الوجه الذي نزه بارئه فليأخذها على إرادة الكثرة لاعن العدد وان كانت لا تخلو عن عدد محقق ولكن لم يرد القائل هنا الاعلام بتعيين العدد وانما تعلقت الإرادة بالاعلام بالكثرة فهذه الصيغة إذا كانت المتعارفة بين المرسولين « 2 » إليهم لا يريدون بها الوقوف على عدد محقق فإذا شاهد العبد إرادة الكثرة هنا انكشف له احصاء ما علمه من وقت وجوده إلى وقته وما يكون إلى ما يتناهى ولكن بحقيقة يخالفنا فيها بعض العلماء من المتكلمين وذلك ان يكون العلم يتعلق بمعلومين فصاعدا وهذا محال عند بعضهم ومن جوز ذلك كالامام أبى عمرو السلالفى رضى اللّه عنه فإنه لا يخالفنا في هذه المسئلة .

--> ( 1 ) على هامش الأصل ن - بنا ( 2 ) كذا .